الآلوسي
234
تفسير الآلوسي
عند رأسه قاعدة فسألها من أنت ؟ قالت : امرأة قال ولم خلقت ؟ قالت : لتسكن إليّ فقالت الملائكة تجربة لعلمه : من هذه ؟ قال : امرأة قالوا : لم سميت امرأة ؟ قال : لأنها خلقت من المراء فقالوا : ما اسمها ؟ قال : حواء قالوا : لم سميت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من شيء حي . وقال كثيرون ولعلي أقول بقولهم إنها خلقت قبل الدخول ودخلا معاً ، وظاهر الآية الكريمة يشير إليه وإلا توجه الأمر إلى معدوم وإن كان في علمه تعالى موجوداً ، وأيضاً في تقديم ( زوجك ) على ( الجنة ) نوع إشارة إليه وفي المثل ، الرفيق قبل الطريق . وأيضاً هي مسكن القلب ، والجنة مسكن البدن ، ومن الحكمة تقديم الأول على الثاني ، وأثر السدي - على ما فيه مما لا يخفى عليك - معارض بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء على سرير من ذهب كما تحمل الملوك ولباسهما النور حتى أدخلوهما الجنة فإنه كما ترى يدب على خلقها قبل دخول الجنة . * ( وَكُلاَ منْهَا رَغَداً حَيْثُ شئْتُمَا ) * الضمير المجرور للجنة على حذف مضاف أي من مطاعمها من ثمار وغيرها فلم يحظر عليهما شيئاً إلا ما سيأتي ، وأصل كُلاَ أأكلا بهمزتين الأولى للوصل ، والثانية فاء الكلمة فحذفت الثانية لاجتماع المثلين حذف شذوذ وأتبعت بالأولى لفوات الغرض ، وقيل : حذفا معا لكثرة الاستعمال والرغد بفتح الغين وقرأ النخعي بسكونها الهنيّ الذي لا عناء فيه أو الواسع ، يقال : رغد عيش القوم ، ورغد بكسر الغين وضمها كنوا في رزق واسع كثير ، وأرغد القوم أخصبوا وصاروا في رغد من العيش ، ونصبه على أنه نعت لمصدر محذوف ، أي أكلاً رغداً . وقال ابن كيسان : إنه حال بتأويل راغدين مرفهين ، و ( حيث ) ظرف مكان مبهم لازم للظرفيه ، وإعرابها لغة بني فقعس ولا تكون ظرف زمان خلافاً للأخفش ، ولا يجزم بها دون ( ما ) خلافاً للفراء ، ولا تضاف للمفرد خلافاً للكسائي ؛ ولا يقال : زيد حيث عمرو خلافاً للكوفيين ويعتقب على آخرها الحركات الثلاث مع الياء والواو والألف ويقال : حايث على قلة وهي هنا متعلقة بِكُلاَ ، والمراد بها العموم لقرينة المقام وعدم المرجح أي أيّ مكان من الجنة شئتما وأباح لهما الأكل كذلك إزاحة للعذر في التناول مما حظر ، ولم تجعل متعلقة ب * ( أسكن ) * ، لأن عموم الأمكنة مستفاد من جعل الجنة مفعولا به له ، مع أن التكريم في الأكل من كل ما يريد منها لا في عدم تعيين السكنى ولأن قوله تعالى في آية أخرى : * ( وكُلاَ من حيث شئتما ) * يستدعي ما ذكرنا ، وكذا قوله سبحانه : * ( وَلاَ تَقْرَبَا هَاذه الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا منَ الظَّالمينَ ) * ظاهر هذا النهي التحريم ، والمنهي عنه الأكل من الشجرة ، إلا أنه سبحانه نهى عن قربانها مبالغة ، ولهذا جعل جل شأنه العصيان المرتب على الأكل مرتباً عليه ، وعدل عن فتأثما إلى التعبير بالظلم الذي يطلق على الكبائر ، ولم يكتف بأن يقول : ظالمين ، بل قال : * ( من الظالمين ) * بناء على ما ذكروا أن قولك : زيد من العالمين ، أبلغ من زيد عالم لجعله غريقاً في العلم إباً عن جد ، وإن قلنا بأن ( تكونا ) دالة على الدوام ازدادت المبالغة ، ومن الناس من قال : لا تقرب بفتح الراء نهي عن التلبس بالشيء وبضمها بمعنى لا تدن منه ، وقال الجوهري : قرب بالضم يقرب قربادنا وقربته بالكسر قربانا دونت منه . والتاء في ( الشجرة ) للوحدة الشخصية وهو اللائق بمقام الإزاحة وجاز أن يراد النوع ، وعلى التقديرين اللام للجنس كما في " الكشف " ووقع خلاف في هذه الشجرة ، فقيل : الحنطة ، وقيل : النخلة ، وقيل : شجرة الكافور ونسب إلى علي كرم الله تعالى وجهه وقيل : التين ، وقيل : الحنظل ، وقيل : شجرة المحبة ، وقيل : شجرة الطبيعة والهوى وقيل ، وقيل . . . . والأولى : عدم القطع والتعيين كما أن الله تعالى لم يعينها